محمد الغزالي
192
خلق المسلم
وقد لان الإسلام لاختلاف العقول في الفهم ، ومنح المخطىء أجرا والمصيب أجرين . ثم وسع الجميع في كنفه الرحب ، ما داموا مخلصين في طلب الحق ، حرصا على معرفته والعمل به . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر » « 1 » . فأنت ترى رحمة اللّه ترتبط بنتائج الفكر قدر ارتباطها بصلاح القصد . فلم يضيق ذرع البشر بما وسعه دين اللّه ؟ ولم القسوة بينهم والجفاء ؟ عندما أمر رسول اللّه المجاهدين الخارجين من المدينة ألا يصلّوا العصر إلا في « بني قريظة » تأول بعضهم الأمر على أن ذلك ما لم يضع الوقت وصلّى في الطريق ، وأمضى الآخرون النص على ظاهره فصلوا العصر في العتمة . وقبل الرسول فهم الفريقين ، ثم صفهم بإزاء العدو جيشا واحدا . ذلك روح الإسلام في علاج الخلاف العلمي ، وذلك ما لا محيص عنه عندما تستقيم الضمائر والعقول . . أما يوم يجعل الخلاف مصيدة للدنيا ينصبها العناد والبغض فقد ضاعت الدنيا وضاع قبلها الدين . قيل لأحد الشيوخ : أدرك المصلين في المسجد . يوشك أن يتقاتلوا ، قال : علام ؟ قيل : بعضهم يريد أن يصلي التراويح ثماني ركعات ، والبعض يريد صلاتها عشرين . قال : ثم ما ذا ؟ قيل : هم في انتظار فتواك . قال : الفتوى أن يغلق المسجد فلا تصلى فيه تراويح البتة ، لأنها لا تعدو أن تكون نافلة ووحدة المسلمين فريضة ، ولا قامت نافلة تهدم الفريضة ! ! إن الإخلاص للّه والنصح للدين وللعامة ، أبعد ما يكون عن الشغب الذي يحدث في أمثال هذه الشؤون . وتمشيا مع تعاليم الإسلام في وقاية الأمة غوائل الشقاق ، أفتى العلماء أن تغيير المنكر لا يلزم إذا كان سيؤدي إلى مفسدة أعظم ، فإن بقاء المنكر ضرر
--> ( 1 ) البخاري .